انتخابات دولة مالي- الثغرات الأمنية ومخاوف التزوير

0 125

بقلم/ إدريس آيات – باحث في الشؤون الدولية، ومتخصص في العلاقات العربية الأفريقية. فسم العلوم السياسية- جامعة الكويت
بعد مرور أكثر من خمس سنوات على تدخل القوات التي تقودها فرنسا لمنع المتشددين الإسلاميين من الاستيلاء على حكومة مالي، سيذهب الناخبون إلى صناديق الاقتراع في 29 يوليو- أي اليوم- لاختيار رئيس جديد لدولتهم. مع 8 مليون ناخب، ويتنافس 24 مرشحا على منصب الرئاسة، بما في ذلك الرئيس الحالي إبراهيم بوبكر كيتا، الذي يسعى للحصول على فترة رئاسية ثانية، مدتها 5 سنوات. ويُعدّ كيتا ، المعروف على نطاق واسع باسم -آي بي كيه- IBK-، أحد المرشحين الإوفر حظا للانتقال إلى الجولة الثانية- نظرا لتاريخ أفريقيا- ، رغم أنه يعاني من نزيف في الدعم السياسي من قطاعات متعددة في المجتمع المالي. وتأمل مالي أن تعزز المكاسب الديمقراطية التي حققتها منذ الانقلاب العسكري لعام 2012 وما تلاه من حركات التمرد من الانفصاليين والحركات الإسلامية المتطرفة. لكن المشكلة هي أن الانتخابات الرئاسية لليوم 29 يوليو، ستعقد في بيئة أمنية هشة، وتديرها الحكومة المركزية الأكثر هشة فيما يتعلق بتحقيق الأمن في البلاد، ذلك الأمنالذي هو السبب الأساس الذي لأجله انتخب الرئيس كيتا ب 77% من الأصوات 2013،و عجز عن تحقيقه. فلا شك أن قدرة حكومة كيتا على حماية الناخبين وضمان نزاهة الانتخابات في موضع شك أيضا عند شريحة كبيرة من المجتمع في دولة مالي.
ويخشى البعض من أن تكون المناطق الغير الآمنة في المركز مصادر تزوير. ووفقًا لوزارة الأراضي الإقليمية ، فإنه اعتبارًا من 25 يوليو ، قام 72.9% من 8 ملايين ناخب بسحب بطاقاتهم الانتخابية.
ويلاحظ أن معدلات السحب ، أعلى من المتوسط ، ذلك في المناطق التي لا تزال انعدام الأمن هو الطابع الرئيس – وهي موبتي 74.7 % و 86.5 % لغاو ، 79.6% لتمبكتوا ، وكيدال 81.4% – ما اعتبرت مشبوهة من قبل العديد من المراقبين والمرشحين.
ووفقا للبيانات الصادرة عن المديرية العامة للانتخابات (DGE) ، تمثل هذه المناطق الأربع ما يقارب من 22 % من مجموع الناخبين المتوقع في استطلاعات الرأي لشهر يوليو. وفي هذه الانتخابات إذا لم يفز أي مرشح بأغلبية الأصوات التي تم الإدلاء بها في 29 يوليو ، فإن المرشحين الأولين ينتقلان إلى انتخابات الجولة الثانية في تاريخ 12 أغسطس.
إذا السؤال الملح والرئيس يبقى ما إذا كان بإمكان مالي أن تجري انتخابات نزيهة وذات مصداقية عالية. حيث استقطاب الحكومة الباهت للناخبين أدى إلى استياء من المجتمع المدني المالي.
كما أعلن مرشحوا المعارضة أن فرص الاحتيال والتزوير في الانتخابات عالية. مما قد يؤدي إلى تظاهرات وعدم استقرار عندما تعلن النتائج وتشعرأحزاب المعارضة أن النتائج ليست نزيهة.

أما من الجانب الأمني فدولة مالي كما هو معروف هي مركز للنشاطات المتطرفة والمتشددة في منطقة الساحل الشاسعة. ولا تزال حكومتها المركزية في باماكو هشة كما أسلفنا ذكره ،والحلفاء الدوليون مثل فرنسا تتطلع إلى إيجاد طرق للحد من أعبائهم الأمنية في المنطقة، حيث تكلفة البقاء مكلف جدا حسب تقريرات الدفاع الفرنسي. من المرجح أن تكون حماية الناخبين خلال الانتخابات الرئاسية في مالي في 29 يوليو صعبة بالنسبة لقوات الأمن في مالي.
لذا هذه الانتخابات تمثل تحدىا كبيرا وواسعا. صحيح أن المطلوب من كل حكومة هو تحقيق أدنى حد من الأمن، لكن مع قضية مالي أية حكومة كانت ستجد صعوبة في التعامل معها. ومع ذلك ، منذ انتخاب كيتا في أغسطس 2013 ، وبعد سبعة أشهر من التدخل العسكري الذي قادته فرنسا ، كافح كيتا وحكومته من أجل سد الثغرات في قوات الأمن في مالي ، وتحسين القدرات الإدارية للحكومة والسيطرة على الفساد المستشري في البلد مع نجاحات جدا محدودة . كما تعرض الائتلاف السياسي للرئيس كيتا خسارات واضحة في الدعم السياسي من مختلف القطاعات المهمة في المجتمع المالي، بما في ذلك الزعماء الدينيين والشخصيات العسكرية السابقة وجماعات المجتمع المدني- ما يعني أنه فقد ثقة الشعب المالي به، ويفسلر أنه فشل في المهمة التي كانت تنتظر إثر توليه في فترة رئاسته الأولى 2013.

ويجدر الذكر أن أحد خصوم كيتا الكبار في الانتخابات الرئاسية التي ستجرى اليوم في 29 يوليو هو منافس مألوف: “سوميلا سيسي” رئيس المعارضة، ووزير المالية السابق الذي لم ينجح في انتخابات عامي 2002 و 2013 ، وخسر في المرتين في الجولة الثانية من التصويت. على الرغم من عدم شعبيته الواسعة يبدو أنه المنافس القوي هذه المرة. ومن المرشحين 5 من وزراء ” كيتا” السابقين، فضلا عن مامادو ديارا، وزير الاقتصاد السابق، ومحمد علي باتيلي، وزير العدل السابق، والجنرال السابق سينو كوليبالي، وموديبو سيديبي، رئيس الوزراء السابق، وتعد هذه هي المرة الثانية له التي يشارك فيها في الانتخابات الرئاسية. لكن تأتي المشكلة أن الرئيس كيتا هو من بيده السلطة.و من المرجح أن يستغل هذه السلطة الرئاسية لصالحه.

لكن التحدي الأكبر سيكون على الجبهة الأمنية. إذ تحاول قوات الأمن التي تعاني من ضغوطات من قبل جماعات متشددة مختلفة من أجل السيطرة على المناطق النائية للبلاد . كما قد تعطي المخاوف الأمنية للحكومة مبررا ودوافع لإغلاق مراكز الاقتراع في مناطق المعارضة التي ترى أنها مناطق عالية التهديد. على الرغم من أن مراقبي الانتخابات الدوليين سيكونون حاضرين ، إلا أن أعدادهم المحدودة ومواردهم الضئيلة سوف تحد من جهودهم لتوفير انتخابات حرة ونزيهة . وبالتالي ، فإن المخاوف الانتخابية وشعبيّة كيتا المتعرّجة قد تهيّئ الظروف لاضطرابات سياسية – التي ستكون محتملة بشكل خاص إذا- بعد صدور نتائج-، اعتقد النا خبون أن كيتا فاز بشكل غير شرعي في الانتخابات. فمثل هذه النتيجة يمكن أن تؤدي إلى احتجاجات واسعة النطاق وغير ذلك من الأحداث المزعزعة للاستقرار التي من شأنها أن تزيد من الثغرات الأمنية الهشة التي طالما عانت منها دولة مالي.
فضلا على أن الحكومة المركزية، لديها أسباب شرعية تدعو للقلق بشأن البيئة الأمنية. فمنذ السنوات التي تلت التدخل العسكري الفرنسي في عام 2013 ، شهدت مالي زيادة هائلة من الهجمات من قبل المتشددين كما شهدت هذه الشهور العنف العرقي بين بعض القبائل والاثنيات. ويزيد في الطنبور نغما ، تضاعفت الأنباء والأحداث عن عمليات القتل خارج نطاق القضاء- والشرعية على أيدي قوات الأمن- والجيش المالي . ومما يثير القلق أيضا، أنه لم يعد العنف والإضطرابات الأمنية في مالي ذات طابع شمالي؛ بل انتقلت إلى وسط الدولة وحتى جنوبها حيث تعثرت جهود المصالحات السياسية.
أعلنت الحكومة أنه سيتم حشد حوالي 30.000 من ضباط الشرطة والجيش لضمان أمن مركزا الانتخابات اليوم 29 يوليو ، على رغم ذلك فإن خطر تهديد هجمات المسلحين لتقويض الانتخابات (وبالتالي ، شرعية الحكومة) سيكون مصدر قلق حقيقي. وحذر مسلحون -مرتبطون بجماعة القاعدة- الناخبين الماليين بتجنب مراكز الاقتراع، وهذا التهديد يجب أن يأخذ بعين الاعتبار. حيث قد أظهرت هذه الجماعات قدرة واضحة على ارتكاب الهجمات في السنوات والأشهر الماضية. ومع هذه الانتخابات سيكون لديهم الكثير من الأهداف اللينة- والبسيطة للاختيار في يوم الانتخابات . حيث أظهرت الأحداث الأخيرة في مالي ، أن الفنادق – حيث يختلط الغربيون والنخب المحلية – بل وحتى القواعد العسكرية كانت عرضة للهجوم وظهرت هشاشة أمنها.
فمع الانتخابات لشهر مايو الماضي شهدت منا طق من كل من باماكوا،غاو، كيدال، تساليت، تمبكتوا، موبتي، سيفاري، أنيفيس، أغيلهوك. وغيرها أعمال عنف وشغب كبير. لذا يبقى القلق حاضرا في البعد الأمني بعد إعلان النتائج عندما يشعر شريحة من المرشحين والناخبون أن تم التزوير.
فمثلا في 20 يوليو ، أفاد تحالف الجماعات المسلحة لجمعية غايا – MSA “بالإعدام بدون محاكمة لأكثر من 20 شخصاً” على يد مسلحين قرب ميناكا في شمال شرق البلاد. وبعد يومين ، قتل جندي في كمين نصبه إرهابيون في غابة الساموني ، وفقا لوزارة الدفاع. الهجوم الذي قتل فيه 11 جهاديا من قبل الجيش.
هذه أصبحت حقيقة تاريخية في دولة مالي، فأ ثبتت تقارير الأمم المتحدة أن الانتخابات الرئاسية الخمسة التي مر في تاريخ دولة مالي من 1992، ينتقل مواطن بين كل اثنين، أي نصف الناخبين ينتقلون لمخاوف أمنية. ما يؤثر أحيانا في نسبة المشاركة. في انتخابات 2013 شارك 49% في الجولة الأولى و في الجولة الثانية 46% . لكن من التحذيرات الأمنية لهذه السنة قد تنزل العدد. فمثلا إقليم موبتي التي تمثل 13% من الناخبين يمثل أعلى المناطق انعداما في الأمن، ما قد يؤثر على تنقل الناخبين ومشاركتهم.
لذا بغض النظر عمن سيفوز في الانتخابات في دولة مالي الشقيقة ، فإن الصراعات في مالي لن تنتهي في المستقبل المنظور. حيث أن غياب المصالحة السياسية بين الفصائل المختلفة في البلاد ، والنزيف الإضافي من الهجمات العرقية والفساد المستشري يعني أن مالي ستظل دولة مضطربة ما لم تحل القضايات الاجتماعية العالقة فلن تغير صناديق اقتراع الوضع الأمني شيئا.
وفي الختام نسأل الله أن يولهم من يكون صالحا لتحقيق الأمن والاستقرار في الدولة، وتبقى خيار الله هو الأحسن- ول أمورهم خيارهم يارب-.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.